مجموعة مؤلفين

234

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

ولا علة لصنعة . وليس في السماوات العلى ولا في الأرضين السفلى مدبر غير اللّه . ومهما تصور في وهمك فاللّه - تعالى ! - بخلاف ذلك » . « وسئل الجنيد عن التوحيد الخاص فقال : أن يكون العيد شبحا بين يدي اللّه - تبارك وتعالى ! - تجرى عليه تصاريف تدبيره ، في مجارى أحكام قدرته ، في لجج بحار توحيده : بالفناء عن نفسه ، وعن دعوة الحق له ، وعن استجابته لحقائق وجود وحدانيته في حقيقة قربه ؛ ( وذلك إنما يكون ) بذهاب حسه ، وحركته لقيام الحق له فيما أراد منه . و ( التوحيد أيضا ) أن يرجع آخر العبد إلى أوله : فيكون كما كان قبل أن يكون ! » . « وقال رجل للشّبلى : أخبرني عن توحيد مجرّد بلسان حق مفرّد . - فقال : « ويحك ! من أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد . ومن أشار إليه فهو ثنوى . ومن أومأ إليه فهو عابد وثن . ومن نطق فيه فهو جاهل . ومن سكت عنه فهو غافل . ومن أوهم أنه ( إليه ) واصل فليس له حاصل . . . ومن تواجد ( فيه ) فهو فاقد . وكل ما ميزتموه بأوهامكم وأدركتموه بعقولكم ، في أتم معانيكم ، فهو مصروف ، مردود إليكم ، محدث ، مصنوع مثلكم » . ظهرت فكرة التوحيد ، في حقول المعارف الصوفية ، بصور ثلاث ؛ وكانت في كلّ منها تعبيرا صادقا لأحوال رجال التصوف في شؤونهم الوجدانية وأذواقهم الروحية . فهناك أولا ما يمكن تسميته بالتوحيد الإرادى . وهذا إدراك للوحدة الإلهية ووعى بها في مستوى الإرادة . وصاحب هذا المقام ، تذوب إرادته في إرادة اللّه ، وتفنى رغائبه في رغائب . اللّه ، فلا يريد العبد إلا ما يريده الرب ولا يحب إلا ما يحبه . وفي هذا الفناء للإرادة البشرية ، أو بتعبير أدق : في هذا التسامى بإرادة العبد إلى إرادة الرب يتحقق الكمال للإنسان في أسمى صوره ومعانيه . لا شك أن الحياة الروحية ، في جميع المذاهب والأديان ، قائمة على تهذيب الإرادة وتركيزها ، إذ بها تتوحد الشخصية